عمران سميح نزال

108

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

واحد ، أي بحكم وجودهما في نظم واحد وسياق واحد يرتبط بالنزول والألفاظ والمعاني ، أي أن مناسبة نزولها واحدة ، وبذلك يكون تاريخ نزولها واحدا أيضا . 5 - أن افتتاح اللّه تعالى هذه السورة بنداء نبيه بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، دليل على أن هذا النداء نداء مدني ، وكذلك كل نداء بصفة النبوة هو ميّزة للآيات المدنية ، وأتبع النداء بالطلب ثم بالنهي ، والطلب هو للتقوى ، والنهي هو عن طاعة الكافرين والمنافقين ، والكافرون هم دولة قريش الكافرة في مكة أي عدو خارجي ، والمنافقون هم من أهل يثرب أي هم من الأعداء الداخليين ، فكان اللّه عليما في طلبه وحكيما في نهيه ، وجاء الأمر في الآية الثانية باتباع ما يوحى إليه ، والتوكل عليه ، ومناسبتها التنزيلية والموضوعية الحضّ على عدم الخوف ، بعد رفض النبيّ عليه الصلاة والسلام لعرض دولة الكفر عليه الموادعة . 6 - أن سبب رفض عرض الموادعة كان بسبب مخالفته للإسلام والإيمان ، فلا موادعة ولا مهادنة على حساب الإيمان ، والدليل هو الأمر باتباع ما يوحى إليه من ربه ، والأمر بالتوكل على اللّه وكفى باللّه وكيلا . 7 - وهذا يعني أن رفض النبيّ عليه الصلاة والسلام موادعة دولة قريش ، كان هو السبب في غزوة الأحزاب ، إذ إن عدم الموافقة على الموادعة لا يتعلّق فقط بعدم ذكر آلهتهم بسوء وإنما لو تمّت الموادعة لوجب على دولة المؤمنين عدم التعرّض لقوافل دولة قريش التجارية بسوء أيضا ، وهو ما كانت تسعى إليه دولة قريش فعلا ، وقد نشطت سرايا المسلمين بعد غزوة أحد حتى محت آثار غزوة أحد في المدينة والبوادي معا « 1 » ، ولما رفض النبيّ عليه الصلاة والسلام موادعة دولة قريش وكانت عاجزة وحدها عن مواجهة دولة المؤمنين في المدينة ، فقد سعت دولة قريش إلى الأحلاف ضد النبيّ وضد دولة المؤمنين فكانت غزوة الأحزاب .

--> ( 1 ) السيرة النبوية الصحيحة ، أكرم ضياء العمري 2 / 419 .